عدت إلى المحل غاضباً من كل ما يحصل معي، لم يتيسر أمر قطّ منذ وصولي إلى هنا ،حاولت التونسيتان تهدئتي، توضئت وصليت الظهر. رن الموبايل وظهر اسم صديقي على الهاتف، رديت عليه.
كيفك مناف؟ شو أخبارك؟ بشوفك بعد شوي.
مكالمة قصيرة، غيرت مسيرة الشهر القادم من سيء، إلى ممتاز!
خرجت باتجاه ميدان الشهداء وانتظرت هناك، وإذ بي أرى صديقي مرتدياً ذلك القميص الوردي الذي لن أنساه والنظارات الشمسية البنية الداكنة. تعانقنا بعد لقاء جمع فرقتنا التي امتدت ثلاث سنوات. أصدقاء حلقات الجامع لا غنى عنهم أبداً! تكلمنا قليلاً، ولم يتركني الا عندما وعدته بالذهاب معه والنوم في بيته! المهم!ذهبنا سوياً وركبنا وسيلة النقل المعتادة “الإيفيكو” وانطلقنا إلى بيته في منطقة سوق الجمعة، وهي أول منطقة ثارت ضد القذافي في ليبيا.
جميلٌ هو القمر
عندما تكون في بلادٍ أخرى، تنظر إليه في السماء..يبقى هو كما كان، لا يتغير عليك هلالاً كان أم بدراً.
القمر هو الشيء الوحيد الذي نستطيع أن نراه معاً، رغم أننا في بلاداً مختلفة وبعيدة.
يذكرني البدر دائماً بك، خصوصاً تلك الساعة التي يصبح بها لونه الفضيُّ ذهبياً، ويعلو سطحه المضيء غشاوةٌ رقيقة.
في السماء المظلمة يرتفع القمر ليبهر العين الناظرة، ويسرّ القلب الحزين، أو يأتي بذكريات أيام مضت، فيها الجميل وفيها الأليم.
وما الحياة إلا ذكرياتنا التي نملك، سواء مرة كانت أم جميلة. هي كالقمر، تضيء ليالينا الوحيدة، تفرحنا أو تؤلمنا أو تنسينا مشكالنا الكبيرة.
أما الهلال فقصة أخرى. الهلال هو الروح المتجددة الساعية للكمال، الهلال هو الإنسان أياً كان.
جميلٌ هو القمر، هل يا ترى عيناك تتلقيان ضوءه اللطيف؟
آه منك يا قمر!
وما زلت تتسائلين؟ أيحبني أم لا ؟
قلبي لك، روحي لك..هل تسألين؟
أمشي ولا أرى وجوه الآخريات، ففي عيني لا تُرى إلا صورتك أيها الملاك!
لا وجود للجمال..إلا في عينيك..
لا وجود للسلام إلا في ابتسامتك
لا وجود إلا في حضرتك..يا أميرة الأميرات..يا ملكة قلبي
هل تسمعين؟ صوت الذي ينادي بحبك في المدن؟
في كل مدينة أمشي بها، أتحدث باسمك، عن روحك الغناء، عن فعلك ورأيك القدير
في كل بلدة أُسأل، هل رأيت الحبّ والجمال؟
أجيبهم، إن كان للحبّ آلهه كآلهة الإغريق، لغارت منك
ومن ابتسامتك الساحرة الجذابة، ولحاولت بكل قوتها أن تمنع الرجال من رؤية الجمال
فجمالك، يا أميرتي، لا يقارن بجمال ..
آهٍ منك..لو تعلمين! أنك ملكت من القلب كله..لا أستطيع!
لا أستطيع أن أقول لعينيك الجميلتين، أنهما محفورتان في ذاكرة شابٍ أحمق مندفع
آه من الفرق بيننا..ملكة..و إنسان أقل من عادي..
آهٍ منك يا مليكتي و ملكتي..
لو استطعت، لوهبتك روحي وأعطيتك عيني..لتري كيف أراك
آهٍ منكِ ! دخلتِ حياته فقلبتها، رأساً على عقبٍ..
وتركته مذهول، مسلوب الإرادة، طليق اللسان
في وصف حبّ مستحيل، في وصف الأمنيات…
بعد أن عدت من المحل ونمت في الغرفة العتيقة الصغيرة على الأرض المتعرجة واستيقظنا على صوت الآذان الجميل. قمت بالوضوء بما بقي من قليل الماء وصليت على السجادة الحمراء الصغيرة، بعد أن أصبحت الساعة الثامنة والنصف قال لي الديري أن أستعد للذهاب للمشفى معه ثم للكلية، وافقته مسرعاً فأنا لا أحب أن أظل وحيداً في المنزل!
كانت المشفى قريبة من الكلية وهي من أكبر المشافي التي رأيتها فهي مكونة من ثلاثة مبانٍ ضخمة للباطنة والجراحة والأطفال كان ستاج صديقي (الستاج هو المرحلة التي نقضيها كطلاب طب في المشفى) في الأطفال دخلت معه وكانت مع الصديقة الحلبية ، لم يكن هناك العديد من الطلاب حوالي العشرة فقط، بدأ الطلاب بفحص المرضى الصغار. شاهدتهم وهم يفحصون، لم يكونوا أخذو الباطنة بعد، فقمت بتعلميهم كيف تفحص الصدر! طبعاً أستاذ فاشل!!!
بعد الساعة الحادية عشر ذهبت لمحل عمي في طرابلس، وتمشيت في طرق طرابلس قبل أن أدخل المحل، كنت أمشي في الساحة الخضراء سابقاً ، ساحة الشهداء حالياً، وبينما أمشي وأنظر إلى النوافير الجميلة سمعت صوتاً ينادي “فرزززت” استغربت!!!كيف لصوت أن يعرف اسمي في مدينة غريبة، في بلدة غريبة في مكان غريب لم أعرف فيه أحداً !













